أطياف للدراسات و الاستشارات
17 يوليو 2025
يُعد ميناء المخا، الرابض على سواحل البحر الأحمر، أحد أبرز المعالم التاريخية والاقتصادية في اليمن، حيث اشتُهر عالمياً كمركز محوري لتجارة البن. واليوم، يمتلك الميناء إمكانات اقتصادية هائلة تؤهله للعب دور حاسم في دفع عجلة التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة في البلاد. إن الموقع الاستراتيجي للميناء يجعله حلقة وصل حيوية بين أوروبا وأفريقيا وآسيا، مما يفتح آفاقاً واسعة للتجارة والاستثمار.
تأسس ميناء المخا في القرن الرابع عشر، وصعد بسرعة ليصبح الميناء الأهم في اليمن بحلول القرن السابع عشر. وبفضل موقعه الاستراتيجي بالقرب من مضيق باب المندب، أصبح الميناء ملتقىً تجارياً عالمياً يربط الجزيرة العربية بالقرن الأفريقي والبحر الأبيض المتوسط، ولاحقاً بالأسواق الأوروبية والآسيوية.
المركز الأصلي للبن: لقرون مضت، كان المخا القناة الوحيدة لتصدير البن اليمني الفاخر (أرابيكا) الذي يُزرع في المرتفعات. وقد ارتبط اسم الميناء بهذه السلعة الثمينة عالمياً (Mocha).
احتكار صارم: حافظ حكام اليمن تاريخياً على احتكار تجارة البن، حيث كان يُسمح فقط بتصدير الحبوب المحمصة أو المعالجة جزئياً لمنع زراعتها في أماكن أخرى، مما عزز هيمنة الميناء لفترة طويلة.
بوتقة تنصهر فيها التجارة: استضافت المخا "وكالات تجارية" لتجار من الهند ومصر والقوى الأوروبية (بريطانيا، هولندا، فرنسا، والدنمارك)، حيث تم تبادل السلع المصنعة بالبن واللبان والمنتجات اليمنية الأخرى.
عوامل التراجع: بدأ أفول نجم الميناء في أواخر القرن الثامن عشر نتيجة الصراعات الدولية، وظهور مزارع البن في مناطق أخرى مثل جاوة وأمريكا الجنوبية، وتحول حركة التجارة إلى موانئ أكثر حداثة مثل عدن والحديدة.
بعد عقود من الركود وتفاقم الأوضاع بسبب النزاع الأخير، تراجعت القدرة التشغيلية لميناء المخا بشكل كبير.
عمليات محدودة: تشير بيانات تتبع السفن (حتى يوليو 2025) إلى حالة من الهدوء التام في الميناء، مما يعكس الحاجة الملحة لتفعيل دوره.
تداعيات النزاع: تعرضت مرافق الميناء لأضرار بالغة، وهناك حاجة ماسة لإصلاح البنية التحتية، وتوفير قطع الغيار، وصيانة المعدات لتعزيز وصول السفن وقدرتها الاستيعابية.
رغم التحديات، تظل الجهود جارية لإعادة تأهيل الميناء. تشمل خطط التطوير دراسات هيدروديناميكية لمنع الترسبات، ومخططات عامة للمرافق البحرية (الأرصفة وحواجز الأمواج) والمنشآت البرية، وتجهيز تصاميم هندسية شاملة لإعادة الإعمار.
جذب شركات الشحن وزيادة حركة البضائع.
تعزيز الشراكات التجارية الإقليمية.
تحفيز الاستثمار الأجنبي المباشر وتنويع الاقتصاد بعيداً عن القطاعات التقليدية.
إحياء صادرات البن: مع استقرار الأوضاع، يمكن للميناء استعادة دوره كمنفذ رئيسي للبن اليمني المختص. هناك مبادرات لتشجيع المزارعين على العودة لزراعة البن بدلاً من القات، وسيعمل تشغيل الميناء على خليل تكاليف اللوجستيات وزيادة احتياطيات العملة الصعبة.
بوابة تجارية إقليمية: بفضل تطوير البنية التحتية (أرصفة أعمق ومعدات حديثة)، يمكن للميناء أن يصبح مركزاً لإعادة الشحن (Transshipment) لخدمة اليمن ودول الجوار في القرن الأفريقي.
تنمية قطاع الأسماك: يمكن أن يضم الميناء أرصفة حديثة للصيد ومنشآت تخزين بارد ومصانع تعليب، مما يعزز صناعة الأسماك للاستهلاك المحلي والتصدير.
المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار: سيعمل الميناء كمنفذ حيوي لدخول المساعدات الإنسانية ومواد البناء اللازمة لجهود إعادة الإعمار الوطنية.
خلق فرص العمل: ستوفر عملية إعادة التأهيل والتشغيل آلاف الوظائف المباشرة في البناء واللوجستيات والجمارك، فضلاً عن وظائف غير مباشرة في قطاعات النقل والزراعة والتصنيع.
إن إعادة إحياء ميناء المخا ليست مجرد استعادة لمجد تاريخي، بل هي ضرورة اقتصادية استراتيجية لمستقبل اليمن. ومن خلال الاستثمار في بنيته التحتية وتأمين ممراته الملاحية، يمكن للمخا أن يتحول مرة أخرى إلى محرك للنمو والازدهار في المنطقة.