مازن سيف
19 يناير 2026
منظمات المجتمع المدني في اليمن: بين مطرقة "الإدارة العائلية" وسندان غياب المساءلة
في الوقت الذي يعصف فيه الصراع باليمن، برزت المنظمات المحلية كطوق نجاة وحيد لملايين المتضررين. ومع تدفق التمويلات الدولية لتنفيذ مشاريع خدمية وإغاثية واسعة، تصاعدت التساؤلات الجوهرية حول "الشفافية والمساءلة": هل تذهب هذه المساعدات فعلاً لمن يستحقها؟ وكيف تُدار هذه الكيانات من الداخل؟
من خلال عملية استقصاء شملت عدداً من المدراء والموظفين في منظمات محلية نشطة، تبين أن خلف واجهات "العمل الإنساني" تختبئ انتهاكات جسيمة تمارس بعيداً عن أعين الرقابة. وقد أجمع المستجوبون على أن بيئة العمل في بعض هذه المنظمات تحولت إلى "إقطاعيات خاصة" تفتقر لأدنى معايير العدالة الوظيفية.
♧ قمع الموظفين وابتزازهم: أكدت شهادات الموظفين أن بعض المنظمات لم تلتزم بصرف الرواتب لأكثر من ثلاثة أشهر، مع استخدام "التهديد بالفصل" و"القائمة السوداء" كأداة ترهيب لإسكات أي صوت يطالب بحقه أو يبلغ عن ممارسات مالية مشبوهة.
♧ المحسوبية في التوظيف: أشار بعض المدراء المستجوبين إلى أن القرارات الإدارية والتعيينات في المناصب الحساسة تخضع لصلات القرابة والولاء الشخصي للمؤسس، وليس للكفاءة، مما حول العمل الخيري إلى نموذج "الشركات العائلية".
♧ غياب الحماية القانونية: يجد الموظف اليمني نفسه في بيئة هشة، حيث لا توجد مكاتب تظلمات تابعة للدولة أو اتحادات قوية تحميه من تعسف الإدارات، مما يترك "الجاني والخصم والحكم" في يد جهة واحدة.
♧ ضعف الرقابة الحكومية والمانحة: تمر المشاريع الدولية دون تتبع حقيقي للأثر والمخرجات، مما يفتح الباب أمام سوء الإدارة وهدر الموارد، حيث تكتفي بعض الجهات المانحة بتقارير ورقية "منمقة" لا تعكس الواقع المرير للموظفين أو المستفيدين مما يعكس التنفيذ المتكرر للمشاريع من دون التعلم من الأخطاء و تراكم الممارسات السيئة من دون محاسبة ولا رقابة تطال السلطات العليا في هذه المنظمات و لكن يتم تنفيذ الواضح و القرارات على الموظف الأدنى في الهرم الوظيفي .
يمثل التحول الرقمي فرصة ذهبية لكسر قيود التعتيم الإداري. فاستخدام المنصات الرقمية لمشاركة البيانات في الوقت الفعلي يتيح للمانحين والمجتمع رقابة لحظية على سير المشاريع. كما تساهم التكنولوجيا في أتمتة التقارير، مما يقلل التدخل البشري الذي قد يشوبه التحيز، ويضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين.
♧ خارطة طريق للإصلاح: ما العمل؟
■ تفعيل الأنظمة الرقابية: فرض تدقيق مالي وتشغيلي دوري من جهات خارجية مستقلة لا تخضع لسلطة المنظمة.
■ قنوات تظلم آمنة: إنشاء آليات بلاغ (Whistleblowing) مرتبطة مباشرة بالمانحين الدوليين والوزارات المعنية، لضمان حماية الموظفين من الانتقام الإداري.
■ إعادة هيكلة الحوكمة: إلزام المنظمات بإنشاء مجالس أمناء مستقلة تمتلك صلاحية محاسبة المدير التنفيذي والمؤسس.
إن تعزيز المساءلة ليس مجرد إجراء إداري، بل هو ضرورة أخلاقية لضمان بقاء اليمن على خارطة الاستجابة الدولية. إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق المانحين في المقام الأول لفرض رقابة صارمة تضمن عدم تحول أموال الإغاثة إلى أداة لإثراء أفراد على حساب حقوق العاملين ومعاناة المحتاجين.
مازن سيف هو المدير التنفيذي لـ "أطياف للدراسات والاستشارات الإدارية"، وخبير رائد في العمل الإنساني والتنموي بخبرة تمتد لأكثر من 14 عاماً في إدارة برامج المنظمات والوكالات الدولية في اليمن. تقلد خلال مسيرته العديد من المناصب القيادية، منها مديراً للبرامج مدير مشاريع ، مما منحه فهماً عميقاً للسياق المحلي وتحديات قطاع الإغاثة والتنمية.
حاصل على درجة الماجستير في إدارة المشاريع، حيث تخصصت دراسته في إدارة مشاريع المنظمات غير الحكومية في اليمن، وهو ممارس معتمد دولياً لشهادة إدارة المشاريع للتنمية (PMD Pro). وإلى جانب قيادته الاستراتيجية، يُعد خبيراً في بناء قدرات المؤسسات المحلية، حيث قاد بنجاح العديد من التدخلات والمشاريع النوعية التي تهدف إلى تمكين القطاع المدني وتحقيق التنمية المستدامة.
هل أنت مستعد لتعزيز قدرات منظمتك و فريق العمل لديك؟ سواء كنت تبحث عن برامج تدريبية متخصصة داخل اليمن أو استشارات دولية، نحن هنا لتقديم الدعم والخبرة اللازمة.